الجاحظ

6

البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )

مقامات الصّلح وسل السخيمة « 1 » ، والقول عند المعاقدة والمعاهدة ، وترك اللفظ يجري على سجيته وعلى سلامته ، حتى يخرج على غير صنعة ولا اجتلاب تأليف ، ولا التماس قافية ، ولا تكلف لوزن . مع الذي عابوا من الإشارة بالعصي ، والاتكاء على أطراف القسيّ ، وخدّ وجه الأرض بها ، واعتمادها عليها إذا اسحنفرت « 2 » في كلامها ، وافتنّت يوم الحفل في مذاهبها ، ولزومهم العمائم في أيام الجموع ، وأخذ المخاصر في كل حال ، وجلوسها في خطب النّكاح ، وقيامها في خطب الصلح وكل ما دخل في باب الحمالة ، وأكدّ شأن المحالفة ، وحقق حرمة المجاورة ، وخطبهم على رواحلهم في المواسم العظام ، والمجامع الكبار . والتماسح بالأكفّ ، والتحالف على النار ، والتعاقد على الملح ، وأخذ العهد المؤكد واليمين الغموس مثل قولهم : ما سرى نجم وهبّت ريح ، وبلّ بحر صوفة « 3 » ، وخالفت جرّة درة « 4 » . ولذلك قال الحارث ابن حلزة اليشكري : واذكروا حلف ذي المجاز وما ق * دّم فيه : العهود والكفلاء حذر الخون والتعدي وهل * تنقض ما في المهارق الأهواء الخون : الخيانة . ويروى : « الجور » . وقال أوس بن حجر : إذا استقبلته الشمس صدّ بوجهه * كما صدّ عن نار المهول حالف وقال الكميت : كهولة ما أوقد المحلفون * لدى الحالفين وما هوّلوا

--> ( 1 ) السخيمة : الحقد والكراهية . ( 2 ) اسحنفرت : مضت دون تمهل . ( 3 ) صوف البحر شيء على شكل الصوف الحيواني . ( 4 ) الجرة ما يجتره الحيوان من جوفه . والدرة : كثرة اللبن وسيلانه . واختلافها أن الدرة تسفل والجرة تعلو .